لو جُلت بين عقول الناس منقّبا في تصوراتهم عن صورة العلم، وطرقتَ أذهانهم سائلا عن صورة العالم، فسوف تختبر في طريقك أصول الحضارة وعِلل التخلف، هذا لأن العلم منصة الحضارة وقاعدة التمكين، إنه النبراس الذي ينير مواطن الأمم في التاريخ.

"عالم بروح العابد"، آسر للعقول بعلمه، وساحر للقلوب ببشاشته وتواضعه، لا يسمح لنفسه بالجلوس أوان الدرس احتراقا بما يموج في داخله من عشق للتدريس، ونفع للخَلق بما أوتي من علم، إنه البروفيسور "أحمد جبار"، عالِم الرياضيات، المتبحّر في تاريخ العلوم، والمكرَّم بوسام العالِم الجزائري لهذا العام.
استهل الدكتور محاضرته الموسومة بـ: "تجربة أربعين سنة في البحث حول التراث العلمي العربي"، والمنظمة من طرف مؤسسة وسام العالِم الجزائري  أمسية الخميس 13 نوفمبر 2014 بقاعة المحاضرات "Palace Events" بالجزائر العاصمة قائلا: "أنا أستاذ كرسي لكن لم أُدرّس تماما وأنا على كرسي".

ذاكرة الأمة...
كانت بداية محاضرته باستعراض مخطوطات من التراث العلمي العربي، مشيرا إلى أهمية المخطوط على أنه ذاكرة الأمة بالرغم من أنه صعب المراس مما يستوجب دراية بطرق التعامل معه، في هذا الصدد ركّز الدكتور على أهمية التخصص واكتساب مهارات البحث، وإلا –يؤكد- "فإن الجهل سيعوّض العلم".

من بين المخطوطات المعروضة، ما كُتب منها بلغات غير العربية، بالرغم من أنها من التراث العربي الاسلامي، وهنا أشار العالِم بأن الحاجة ماسّة لتعلّم لغات غير العربية إذا أرادنا استنطاق ذاكرتنا العلمية الإسلامية، متأسفا لكون جامعاتنا اليوم بعيدة عن هذا الإدراك المهم. وفي حديثه كذلك عن المخطوط نبّه الدكتور جبار إلى أن التعامل مع المخطوطات المتبقية من تراثنا يستدعي جهدا كبيرا، فالمسألة لا تكمن في فهم المخطوط لكن في إدراك ما حوله من استنباط للسياق التاريخي، هذا فضلا عن أبعاده السياسية والثقافية والحضارية، وبهذا الشأن صرّح الدكتور قائلا: "أعتذر لأنني بعد أربعين سنة لم أعثر إلا على 20 مخطوط، ذلك لأنني لم أكن ضمن فريق دائم".

وفي حديثه عن أهمية العلم أشار الدكتور بأن المجتمعات التي يزيد فيها عدد "المعِدات المستهلِكة" بكل ما تحمله الكلمة من بعد، فإنها آيلة إلى زوال، كما أضاف المتحدث بالقول بأن العلم مهما كان، فهو مرتبط بثقافة وذاكرة وتحيزات الباحث الذي لا ينبغي عليه أن يغفلها، وإلا حَكم على نفسه بالانسحاب من ميدان الحضارة: ويقول في السياق ذاته: "إذا لم يكن في تعليمنا تثقيف للناشئة فلا تنتظروا شيئا".  

رحلتي العلمية...
عاد العالِم بنا إلى نعومة أظفاره وبداية حياته، لمّا كان تلميذا في الكتاتيب، ثم بعد ذلك طالبا في ثانوية الثعالبية، إلى أن خطت قدمه أولى خطوات الجامعة، أين ضلع في مادة الرياضيات، مبيّنا في هذا الصدد بأن أيَّ عالِم ينبغي أن يشدّه إلى البحث سؤال من الواقع؛ مما يستدعي منه أن يكون مرتبطا بجذوره المعنوية والثقافية؛ وهنا يذكّر : "يمكن أن يكون الرياضي كبيرا لكن إن لم تكن له ثقافة فلا علاقة له بالمجتمع".

خلال استعراضه لمساره الدراسي استوقفته عدة مرات ذكرياته مع أساتذته الذين فقّهوه في أصول العلم، فعزم على أن يردّ جميلهم إحسانا، وشاء القدر أن يصير الطالب في صفوف ثانوية الثعالبية يوما وزيرا، لكن وفاءه ثابت، بأن كرّمهم الواحد تلو الآخر عرفانا وتقديرا.

وفي حديثه عن البحث، أشار أنّ على الشاب أن يتملكه الشغف فيما يفعل، وإلا فإنه لن ينجح في شيء، وهذا الشغف هو في الأصل متجاوز لقاعة الدرس، لكنه يمكن أن ينطلق منها؛ إذ إنّ المدارس والجامعات وحدها لا تُكسب مفاتح الوعي، ولكن الاحتكاك بأسئلة الواقع هو الذي يفعل. ويذكر المحاضر بأنّ اهتمامه بالمادة التاريخية للتراث العربي الإسلامي كان نابعا من ذاكرته الجزائرية المسلمة، ومنطلقا من شغف وهواية، لكنه مفتقد لمهارات البحث والتخصص، هذا ما جعل البروفيسور مع الوقت يستدرك الأمر، ليكون عصاميا في التكوين، وهو اليوم صاحب 12 كتاب و168 مقالا علميا في تاريخ الرياضيات في المغرب الإسلامي.

يبيّن الدكتور بأن مضمون البحث في تاريخ العلوم عامة وفي تاريخ الرياضيات بشكل خاص، يشمل أبعادا ثقافية، وتقنية، وابستمولوجية، ولغوية، وتاريخية، واجتماعية، وأنّه من مسؤولية الباحث في تاريخ العلوم أن يكتشف أسماءً غطّى عليها النسيان، كما أضاف بأنه وفي بدايات بحثه أراد أن يطّلع على ما كتب حول تاريخ الرياضيات في المغرب الإسلامي، إلا أنه وجد بأن المستشرقين من خلال كتاباتهم قد حكموا بعدم وجود شيء ذي بال من هذا العلم إلا النزر القليل منه هنا وهناك، فرفع الدكتور التحدي لتجاوز هذه القناعة السائدة مؤكدا بأن الباحث ينبغي عليه الولوج إلى وسط الغابة في البحث، والتنقيب عوض الاهتمام بتلك الأشجار التي تحجبنا عن الغابة. فانطلق من فرضية أن المغرب الإسلامي قد ساهم في تطوير الرياضيات، وأن هذه الأخيرة كانت مزدهرة بالموازاة مع العلوم الأخرى الشرعية منها في الحضارة الإسلامية، وهنا عدّد الدكتور شروط البحث في تاريخ العلوم وهي: "التحكم في التقنيات، الدقة في تحليل المادة العلمية، ممارسة لغة أو لغتين من لغات المخطوط، الاطلاع على مضمون ما أُنتج في تاريخ المادة"، كما أضاف بأن الباحث ينطلق في البحث حاملا معه خصوصياته وتحيزاته، لكن لا ينبغي أن تطغى عليه تلك التحيزات لتصبح تعصبا فيفقد البحث قيمته.

استطرد الدكتور بعد ذلك متحدثا عن أبحاثه في هذا المجال واكتشافاته لمخطوطات نفيسة وعلماء مجهولين وضعوا بصماتهم في الرياضيات، وذكر بأنه يوجد 191 رياضي وفلكي في الأندلس والمغرب الكبير من أمثال "القلصادي" في الأندلس وإسهاماته، وكانت أول مقالة له حول تاريخ الرياضيات العربية سنة 1980، وتواصلت بعد ذلك أبحاثه حول علماء مجهولين وحول تنقّل المعرفة داخل دار الإسلام وإلى الصين.

ومن خلال الحديث عن نشر اكتشافاته وبحوثه أشار بأن زوجته قالت له يوما بأن كل ما يكتبه غير مفيد طالما أن عددا ضئيلا من الناس يهتم به، وأنه من الأحسن أن يفعل شيئا آخر، فأجابها بأنه لا يكتب لناس هذا الزمان ولكن لأجيال قادمة ستستفيد منه، وروى كذلك أنه ذات مرة كتب مقالا في 400 صفحة مع دكتور ياباني وبعد نشر المقال ذهبوا لتناول وجبة غذاء في أحد المطاعم الفاخرة احتفالا بإنجازهم  فقال الدكتور أحمد لذلك الأستاذ الياباني لا أظن أن أكثر من عشرة أشخاص سيطّلعون على بحثِنا فأجابه الياباني: كم أنت متفائل بل أظن أن عددهم لن يتجاوز الأربعة.

اختتم البروفيسور أحمد جبار كلامه بهذه العبارة لأحد علماء الإسلام: "وما نحن مع جميع ذلك براء مما هو طبيعة الإنسان من كدر البشرية، ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية، ومن الله نستمد العون في جميع الأمور"، شاكرا الحضور على حسن إنصاته وتفاعله، على أمل الالتقاء من جديد.