عندما يحضر الإنسان بكل إنسانيته؛ بقلبه وعقله وروحه، تسقط كل الاعتبارات الأخرى التي كثيرا ما تخرجه عن إنسانيته فيقسو منه القلب ويتبلد العقل وتنطفئ جذوة الروح. فإذا اجتمع العلم والإيمان سمت العقول وتدفق الوجدان وسعت الجوارح إلى كل خير.
في شهر نعلم مكانته في قلب كل جزائري، وفي مكان فاخر فخم من أرض هذا الوطن الأبيّ، احتشد جمع من الناس ليشيدوا بالعلم والعقل، وبحمَلة العلم وذوي الألباب.
بصدق وبروحانية جميلة وعفوية حلوة، جرت الكلمات على ألسن المتدخلين من المكرمين الأُوَل، ومن المكرّمين الجدد على السواء، حيث قالوا فأحسنوا، وأثنوا فصدقوا، وحكموا فأصابوا.
في تظاهرة ثقافية معرفية فكرية إيمانية، شعارها: "نعم.. للجزائر علماؤها"، تجدد اللقاء واجتمعت العقول والقلوب بوجدان فياض بالحب والتقدير والإجلال للعلم وأهله، من علماء وأساتذة وطلبة ليشهدوا على صحة هذا الشعار، ويرَوْا دلائل صدقه ساطعة أمام أعينهم، ثم ليبلّغ الشاهد الغائب أن "نعم..-كذلك- للجزائر علماؤها".
كان العالِم المكرّم هو البروفيسور أحمد جبار؛ الدكتور بعلم الرياضيات وعلم تاريخ العلوم، الوزير سابقا في سلك التربية والتعليم الجامعي والبحث العلمي، المستشار المحنّك في مسائل السياسة التي تسوس العقول لا البطون، وتُحرّك المجتمع نحو الثقافة لا نحو السوق.
أمضينا مع هذا الرجل، صاحب النفس الشغوفة بالعلم، والقلب النابض بحب الوطن، المشبع بالهويّة الإسلامية، وقتا كأنه في فجوة من الزمن، نتفيأ ظلال العلم ومباهج العقل، يذهب بنا ويجيء بنسمات روحه الخفيفة ودعابته اللطيفة، في مشاهد من حياته الفكرية والعلمية والذاتية، يرفعنا بها تارة ويحطنا أخرى في مآسي عالمنا الإسلامي.
ثم، وفاءً لمبدأ الجماعة العلمية الذي تؤمن به مؤسسة الوسام، كُرّم فريق البحث العلمي لجمعية التراث التي دأبت طيلة أربعة عقود من الزمن على البحث في التراث الإباضي، والتعريف به على قاعدة "المعرفة والتعارف والاعتراف"؛ المبنية على خلق الإسلام الذي لا يقصي أحدا، ولا يعطي لأحد الحق في ادعاء الصواب والكمال، إنما هو الاجتهاد من الجميع مهما اختلفوا؛ وهو مسلك العقلاء.
ثمة مقصدان هامان من بين المقاصد التي تسعى إلى تحقيقها مؤسسة وسام العالِم الجزائري، أشار إليهما الدكتور سعيد بويزري، ألا وهما: جمع العقول، والتقريب بينها. وإنه لَعمري مطلب شريف يستحق أن تُشدّ له الرحال وتُجنّد له الإرادات وتُعتصر من أجله القلوب.
ولقد أشاد الدكتور يوسف تومي بفضل العقل مستدلا بجملة من الأقوال، منها قول لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما خلق الله أفضل من العقل". وهو مما جاء في الحديث القدسي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لمّا خلق الله تعالى العقل، قال له: قم فقام، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: اقعد فقعد، فقال الله عز وجل: ما خلقت خلقاً خيرا منك ولا أكرمَ منك ولا أفضلَ منك ولا أحسن منك، بك آخذ وبك أعطي، وبك أعز وبك أُعرَف، وإياك أُعاتب، بك الثواب وعليك العقاب". ولقد نوّه القرآن الكريم بالعقل، وأثنى على أولي الألباب، وأولي النهى، وأولي الحجا..
فيكفي الوسام وأهله فخرا، ويكفي اجتماعنا أول أمس شرفا، أن جعلنا نتذكر فضل هذه النعمة الجليلة؛ نعمة العقل التي ينال بها أعز وأشرف ما يمكن أن يعليَ الإنسان في مدارج الكمال، ومصاف الإنسانية الحقة؛ وهو العلم.
كذلك لنشكر عليها المنعم المتفضل جل وعلا، شكر العابدين العاملين، سائلين الله تعالى أن يجعلنا وإياهم من أولي الألباب. وتلك أمارة الفلاح، كما دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلح من رزق لبًّا".
وإنه لمن حسن فلاح المرء أن يجعل لتاريخه وتاريخ أمته مكانا في خريطته الإدراكية. وتلك كانت سمة بارزة أيضا في هذه الطبعة الأخيرة للوسام، حيث التقى قدر الدكتور جبار مع قدر جمعية التراث في المكان والزمان، ليجتمع كليهما على هاجس ضرورة الاهتمام بتاريخنا وتراثنا العلمي، لأنه جزء من هويتنا التي لا حياة ولا مستقبل لنا دونها.
ولقد تعزز ذلك المفهوم في ختام الحفل حين تلقى المكرم من بين الهدايا تمرا فلسطينيا، أهداه إياه سفير الشقيقة فلسطين، قال إنه نوع من التمر لا تغيره الظروف... وأيضا زرابي تقليدية من عمق الجزائر الحبيبة.
خلال مدة الحفل، علت ضحكات وذرفت دموع، وسكنت القلوب معاني جمة ربما نضعها في ثلاثية فنقول: العقل والتاريخ والجماعة. وليتصرّف فيها كل على شاكلته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيل في معنى الآية الكريمة: "قل كلّ يعمل كل على شاكلته"، أي حسب عقله.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast