في البداية أعتذر منك سيدي:
لَأَن تحتفظ بمشاعرك عن رجل يستحقها، وتبقيها داخلك، خوفاً من التقصير عند التعبير عنها، فهو عذر لك...
لكن أن تبرزها وتكتب عنها ثم تقصِّر في حق ذلك الرجل، فهو ذنب عليك...
لذا أرجو أن تعذرني عن التقصير أستاذنا الفاضل، فمهما عصرتُ ذهني، وفركتُ فَروةَ رأسي، وقرنتُ حاجبيَّ لأبحث عن كلمات لأخصَّها لك فلن أفيَ حقَّك، ومهما اجتهدتُ، فإنّي مقصرٌ لا محالة. وعذري الوحيد أني تألمت في الحالتين: تألمت بإخفائي المشاعر تجاهك؛ وتألمت لمعرفتي أني سأقصر في تهنئتك إن كتبتُ إليك. ولكني قارنت بين ألم الإخفاء وألم التقصير، فآثرت ألمَ التقصير، لسبب وحيد، هو أنك تغفر التقصير، وتلك إحدى صفاتك التي أحببتُها فيك، وأحبَّك طلبتك والناس من أجلها.
نعم لقد اعتاد الناس منذ القدم أن يكافئوا من أسدى إليهم معروفا، أو قدم لهم جميلا فالله سبحانه وتعالى يقول: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" فكيف إذا كان هذا الجميل وذلك المعروف يتعلق بالتربية والتعليم والتنشئة من قبل معلمينا ومشايخنا وأساتذتنا الذين بذلوا الجهود وأرهقوا النفوس وأحرقوا الأنفاس وأذابوا المهج في تعليمنا وتربيتنا :
أرأيت أشرف أو أجلّ من الذي***يبني وينشئ أنفسا وعقولا
من أولئكم الأبطال والقمم الشامخة أستاذنا الجليل الشيخ "محمد الهادي الحسني". ينبوع عطاء تدفق بالخير الكثير ليروي هذا الوطن ويقيم أسسه وأخلاقه. نعم، ويندر في الأحوال الاعتيادية أن يتفق الجميع على رأي واحد تجاه شخص واحد؛ ومن هذا الإجماع النادر ما هو ماثل للعيان من اتفاق كل من عرف شيخنا الجليل محمد الهادي الحسني– وفقه الله – على حبه وتقديره وإجلاله والاعتراف بجمائله وأفضاله، يستوي في ذلك من عرفه واقترب منه، ومن جمعه به موقف عابر أو لحظة شاردة من دفاتر الأيام والأعوام، أو حتى من تابع محاضراته أو تدخلاته.
وقد قيل: وإذا أحبَّ اللهُ يوماً عبده *** ألقى عليه محبةً في الناس
رجل يبقى في الذاكرة. له مساحة اختزال وله في القلب مسافة كبيرة قوامها المحبة والمودة. لست أتجاوز الحقيقة ولست أبالغ حين أقول بأنه رمز من رموز التربية والتعليم، في الجامعة الجزائرية. وشخصية قيادية لها سمات وصفات رائدة في الوسطية والاعتدال. تلك الشخصية الفريدة والقامة المديدة، نموذج من الرجال قلما يتكرر، وإرادة صلبة لا تقهر، وبحر مليء بالنفائس عندما يسبر. إنه إنسان يجبرك على احترامه حدَّ الهيبة، لأنه صاحب مبادئ سامية لا يساوم عليها أحدا مهما كان. إنسان واضح حدَّ الشفافية، كالكتاب المفتوح، تقرؤه من أول سطر إلى آخر سطر، دون شعور بالغموض أو الالتواء. متواضع حدَّ البساطة.
"محمد الهادي الحسني" معنى تتقاصر عنه الألفاظ، وصورة مجنحة يعجز عن التقاطها الخيال، وطيف من سنىً أبهر العيون، وموكب من صفاء، عبر المكان، تاركاً وراءه أثراً واضحاً في نفس كل من رآه، أو سمعه.
أعترف بعجزي التام في انتقاء المفردة أو الفكرة التي أتخذها مدخلا إلى حديثي تجاه الأستاذ الفاضل، ذلك أن شخصية بقامته، بغناها الإنساني والتربوي، تعجزك – صدقاً – في الكتابة عنه وإليه، وحسبي هنا أنني تركت لنفسي حرية التدفق، تاركا لبعض بوحي أن يسرّب بعض إحساسي على طريقة أبي ريشة (بعضُ الربيعِ ببعضِ العطرِ يُختصرُ...)
أشعر أنني أطلت في الكتابة، لكنني ...
كتبتُ، ولو كتبت بقدر حبّي لأفنيت القراطـيس والـمدادا
ولكنّي اقتصرت على حروفٍ تبـلغني الأحبــة والـودادا
شيخي وأستاذي:
إن لغة الكلام لتتعطل في مثل هذه المواقف، وإن الألسنة لتتلعثم، وعزائي أني أحاول لملمة كلماتي وأفكاري، فإن تقصر عن مرادي فقلبي يحمل لك ما عجز لساني عن ترجمته والإفصاح عنه، والبوح به، فتقبلني تلميذا محبا لك ولعلمك ولخصالك.
واصلْ رحلة العطاء، فمازالت بيارقك خضراء خفاقة، وما زالت سحبك حفلا ثقالا، وما زالت أنهارك متدفقة، ومروجك خضراء وارفة الظلال طيبة الجنى أسأل الله تعالى أن يمنحك الصحة والعافية، وأن يحفظك ويقر عينك بمن تحب على ما تحب ..
أهلا رجال العلـم والنـور الـذي *** سطعـت أشعتـه علـى أرجائنـا
يا فتية التعليـم يـا مـن كنتمُـو *** نبراس خيـر يعتلـي فـي أفقنـا
يا موكب النور العظيم ومـن بنـى *** مجدًا لهذا الجيـل.. فارتفـع البِنـا
وغدا صروحا فوق هامات المـدى *** يزهو بها وطني.. ويسمو مجدنـا
وطن لـه فـي كـل قلـب خفقـة *** تسري بكل الصدق فـي أعماقنـا
وطن نقشنـا فـي الخلايـا حبـه *** بدمائنا .. حتـى استحـال محوهـا
فاهتف له بوركـت فينـا موطنـا *** واهتف لمن تَخَـذَ المكـارم ديدنـا
كما لا يفوتني في الأخير أن أشكر معهد المناهج الفتي، وعلى رأسها معالي مدير المعهد على ما يبذله من جهود مشكورة للارتقاء بالمستوى العلمي للطلبة. والشكر موصول لمجلس إدارة المعهد، وللأساتذة وكل القائمين عليه. وتحياتي لكل الحاضرين.
وفق الله الجميع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast