هيئة التحرير
لقد استجمعوا همّتهم، وأدّوا مهمّتهم... لينيروا هذا الوطن، ويصبغوا سواد ليله ببياض، فيقف على عتبة الفجر رافعا رأسه عاليا، يحتضن أبناءه بكل حب وحنان، ويمسح دموع التائه والحيران... هم بحقٍّ رجال الوطن وحماته، وموقظي مجده من سباته، يلقّنوننا دروس العلم والعمل، ويزيّنون صفحات التاريخ بجهدهم، وعلمهم، وبروحهم الطيبة... إنهم من أمّ حنون، تُعدّ أولادها تمام الإعداد، لتهبهم خدّاما طائعين لنداء "اقرأ"...
"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"، نعم، فعلى ضوء هذه الآية الكريمة افتُتح حفل وسام العالِم الجزائري، مجلس تكريم العلم والعلماء، وبعد تلاوة آيات بينات من محكم التنزيل، واستماع الحضور للنشيد الوطني الجزائري، تقدّم الأستاذ طه كوزي الذي نشّط حفل الوسام سائلا بخصوص هؤلاء الرجال: "أهم حاضرون أم غائبون، إن حضروا فماذا نحن فاعلون، وإن غابوا فماذا نحن بعد ذلك مفعّلون"..."أنحن بعد الكلِم صُغنا الفعل، أم لازلنا نردّد اللفظ..."، ويضيف: "ولكن يقيني بالله أن الأجيال المقبلة ستصوغ الفكرة، وتصوغ اللفظ، وتصوغ القول وتصوغ بعد ذلك بإذن الله العمل".
صبيحة يوم السبت 10 صفر 1435هـ الموافق لـ: 14 ديسمبر 2013م، وفي قاعة المحاضرات بقصر الثقافة "مفدي زكريا"، صدح صوتٌ احتضن المكان والزمان ينادي: "نعم... للجزائر علماؤها...".
العمل ليس فريدا في هذا الوطن، إنه رسالة حبّ لكل عالِم، -يؤكد- الأستاذ طه، فبعد أن قطع معهد المناهج مشوارا حافلا بتكريم ثلة من خيرة علماء الجزائر، ابتداء من تكريم جبل شامخ شموخ تاريخ هذا الوطن العزيز... الدكتور والمؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله –رحمه الله- بتاريخ 2 ماي 2007. توالت التكريمات، إلى أن أقبل "الوسام" يؤلّف بين " عين امقل" و"قصر البخاري"، فيحتفي بالدكتور كمال يوسف تومي، والشيخ عبد الرحمان بعموري. ويُجلس العالِمين في مجلس علم يفضي كل منهما عن محطّات هامة من حياته، رفقة الدكتور محمد باباعمي الذي حاورهما، مشيرا بالمناسبة: "عندما تعرفتُ على هذه الشخصيات أحسست أني غير موجود".
فمن "عين امقل" كانت الانطلاقة، حيث شبّ الشيخ عبد الرحمان بعموري الذي احتضن القرآن الكريم بكل حب ووفاء، فبادله القرآن الحضن والرعاية، وأعدّ له مقاما في حضرة العلم وحلَقِه. وبشأن التكريم في هذا اليوم يصرّح وبكلّ تواضع: "أحدّث نفسي سائلا لها: من أنتِ حتى تجلسي أمام هؤلاء العلماء، ويسوغ لكِ الكلام بين خلفاء الرسل عليهم الصلاة والسلام". كما ويروي "سلطان الحكمة" أمام الحضور بعض ذكريات الطفولة التي تدثّرت بمعاني التحدي والصمود.
وإذا وجّهنا الأنظار لعالِمنا الثاني نجد مشواره لا يختلف عن الشيخ من حيث وقوفه في وجه التحديات وعزمه على تخطي الصعاب، إنه الدكتور كمال يوسف تومي الذي خطى خطواته الأولى نحو المسجد، يؤم الناس في سن مبكرة.
يخصّص أوقاتا للدراسة، وأخرى للرّعي، هكذا كان الشيخ بعموري يقسّم وقته: "كانت الحياة المعيشية آنذاك تتطلب أن تعمل وتدرس، والشيء الذي أحمد الله سبحانه وتعالى عليه هو حرص الوالد على التعلّم". "وكانت تحلّ البركة"، "أسأل الله تعالى أن لا ينزعها.. لأن الله تعالى إذا وضع بركة في مكان استحيى جل جلاله أن يرفعها".
قد تتعب مع ابنك في مشواره الدراسي، وربما تستسلم فيضيع الولد، لكن هذا الابن قد يكون يوما الدكتور كمال يوسف تومي، -يقول الدكتور باباعمي-، ثم يضيف: "الدكتور تومي في البداية كان هكذا يكره الدراسة، لكنّه الآن يعلّمنا كيف ندرس".
"إنه فضل الوالدة" يؤكد الدكتور تومي، فقد نشأ يتيم الأب، لكن الأخ الأكبر تفضّل بعد فضل المنعم بأن غيّر مسار حياة الأخ الأصغر بوقوفه بجانبه معلّما ومؤنسا.
وبخلُق البرِّ يقابل الشيخ بعموري ما جاده عليه شيخه العلامة: "الشيخ بلكبير"، فيغبط نفسه على جلوسه متعلما بين يديه، كما يقول في حق معلّمه بكلّ وفاء وحب: "ذلكم هو النجم الساطع".
يتحوّل الدكتور باباعمي مع الدكتور تومي بالحديث عن جانب من حياته، انطلاقا من مزاولته الدراسة بجامعة باب الزوار، فذهابه إلى أمريكا وتعلّمه لأحكام التلاوة، فيقول الدكتور تومي بشأن تلك المرحلة: "أملنا كان في الأعلى وكنا نفكّر في النجاح فتحدّينا العقبات".
بعد حلُمٍ كبير راوده بشأنها، يفتتح الشيخ بعموري مدرسة قرآنية داخلية وبهذا الصدد يقول: "لابد من صبر ومصابرة وثبات". ويضيف: "ذِكر الله تعالى محالٌ أن تواجهه أمور أخرى كاللهو والعبث". نعم، لقد افتُتحت المدرسة بفضل الله تعالى بأربعة طلبة وتضم الآن 64 طالبا، كما تُخرِّج إلى يومنا هذا أئمة وحفّاظا لكتاب الله تعالى.
ولأن كتابه عزيز وعظيم فهو عز وجل يُعزّ ويعلي مقام تلك الصدور التي تحمله؛ ذلك كان شأن طفلٍ جاء يطلب تعلّم القرآن الكريم على يد الشيخ بعموري، فعاد لأهله وهم ينعتونه بالعالِم، يقول الشيخ متأثّرا ومؤثرا: "رأيت الإجلال والتعظيم لمن يحمل كتاب الله".
"يستطيع كل شخص بناء البنايات وشراء الأجهزة...، لكن الإنسان هو المسيّر، هو المفكّر، هو المخترع والمحرّك!". يقول "المخترع المبدع" الذي عُيّن مستشارا للعديد من الشركات العالمية، وفي رصيده 31 اختراعا. "هذا الوطن كذلك يمتلك علماء.. يمتلك حكماء.. يمتلك عقولا من هذا الحجم فلا ينبغي علينا أن نغفلهم..." يقول الدكتور باباعمي.
يدبّ "خَضِر العلم" على وجه الأرض، ويخترق الكثبان قاطعا مسافات طويلة ليعقد مجالس الصلح، وكثيرا ما كان يفتتح مجلسه المبارك بقوله تعالى: "والصلح خير".. أجل، لقد قدّم الشيخ بعموري إسهامات في مجال الصلح بين المتخاصمين، وعن هذه التجربة يقول: "لا تستطيع أن تعمل إلا إذا كانت للناس ثقة فيك، وإلا فلن تجد لك آذانا صاغية"، أما أفضل مكان لعقد الصلح –يؤكد الشيخ- فهو "المسجد"، ذلك أنه "المكان الذي تُشدّ إليه أفئدة الناس جميعا"، ويضيف: "هذا الصلح هو الذي اختاره الله تعالى لنا فلابد أن نرضى باختيار الله لنا".
"لابد أن أتعلَّم"، عبارة تردّدت كثيرا على لسان الدكتور تومي، خلال هذا اللقاء الحواري، تأكيدا على قيمة ومكانة العلم، إنه يعمل 16 ساعة يوميا، كما أن "بلبل القرآن الكريم" مجازٌ في روايات عديدة: رواية حفص، وورش وقراءات أخرى يعكف على دراستها. ويؤكد بأن اختراعاته تنطلق من فهم كتاب الله عز وجل. ذلك أنه –كما يؤكد الدكتور باباعمي- "لا تناقض بين القرآن الكريم والعلم"، ويضيف "أمل الجزائر": "لا اختلاف بالنسبة لي بين علم الدين وعلم الدنيا، لأن الله تعالى أشار إلى ذلك عدة مرات في القرآن الكريم: "وآتينه حكما وعلما"، ويقول أنهما دائما معا ولا يفترقان.
وبعد سؤال للمكرّمَين عن قيمة وفضل صلة الأرحام، يؤكد الشيخ بعموري على مكانتها العظيمة بالنسبة للمسلم؛ مشيرا بأنه تعالى يوصي بها في محكم التنزيل، ويجعل قطيعة الرحم في مرتبة الإفساد في الأرض، كما يؤكد أن نبينا صلى الله عليه وسلم حثنا على صلة الأرحام، فأوصى ببرّ الأم ثلاثا. وعن والديه، وفضلهما وحرصهما على أن يشبّ الشيخ تحت حراسة العلم، يحدّث الحضور. ولأن مقابلة الإحسان بالإحسان من شيم الكرام، يحرص الشيخ على زيارة أقاربه وذويه ويقول: "لابد للإنسان أن يشعر بمن يشعر به، وأن يهتم بمن يهتم به".
وبذكر الأقارب والأحباب يصمت الدكتور كمال تومي تاركا المجال لدموع تنوب عن اللفظ، وتعبّر عن حرقة شديدة لفراق الأحبة، فبعد وفاة الوالد رحمه الله تولى رعاية الدكتور وإخوته، الأخ الأكبر الذي بدوره فارق الحياة بعدما كان أبا رحيما بهم.
بعد هذه الومضاتٍ من حياة العالِمين، اختُتمت الندوة العلمية بتدخّل الأستاذ محمد الهادي الحسني محدّثا الحاضرين عن فضل العلم والعلماء.
وأعطيت الكلمة لمن حضروا الحفل ليدلوا بآرائهم بالمناسبة، فتقدّم الشيخ الطاهر آيت علجت الذي أضاء المكان وزيّن الأركان بكلمة شاكرا من خلالها القائمين على تنظيم التظاهرة، وداعيا لأن تكلّل بالتوفيق والسداد، والمزيد من الخير والبركات، محدّثا الحضور عن ذكرياته قائلا: "عشت دنيوات تركَتْ بصمات في عقلي، الشيء الذي أذكره كثيرا في هذه الحياة هو إحسان والديَّ إليّ رحمهما الله رحمة واسعة، فقد عملا على تربيتي وتعليمي وتكويني فجزاهما الله عني كل خير". كما تحدّث الشيخ الجليل عن ذكرياته في مرحلة الثورة المباركة وتحديدا مع المجاهد عميروش (رحمه الله).
وتقدّم إلى المنصّة شيخ من ولاية وهران حرّك من خلال ما قاله مشاعر الحضور وهو يشير إلى أن رابط اليتم يجمع بينه وبين العالمين المكرّمين، سائلا أن يأخذ الشباب الطريق الموصل إلى الأمل، لأن الجزائر التي فيها رجال تحتاج أيضا إلى رجال.
وتلت ذلك كلمة الدكتور ابراهيم بحاز الذي قال فيها: "حقيقة نعيش لحظات مؤثرة.. نستمع إلى علماء نسمع عنهم وقمَمٍ نعرف أنها جزائرية تعيش في بلاد أمريكا أو بريطانيا أو اليابان، ومعهد المناهج هو من ينقل إلينا مثل هؤلاء العلماء؛ يأتي بهم من أمريكا أو من عمق صحراءنا، وهذه الصحراء المستهدفة، وكلنا يعرف أن الصحراء ظلت مستهدفة منذ القرن التاسع عشر الميلادي، منذ أن وطأت فرنسا أرض الجزائر الطيبة". مشيرا بشأن هذا اليوم أننا عشنا مع عالِمين من علماء الجزائر، عالم شرّف الجزائر في محافل العلم في الدول الغربية، وعالِم يربط الجزائر بعمقها الإفريقي صلحا، كما يؤكد بأن منح الوسام لعالِم جزائري هو تفكير أبناء بررة أصلاء، وأن الوسام له أكثر من اعتبار، وأننا كذلك نتعلم الكثير من سيرة هؤلاء العلماء، داعيا الشباب في الأخير للاقتداء بهم.
قدّم الدكتور محمد باباعمي باسم مؤسسة وسام العالِم الجزائري كلمته بمناسبة الحفل تحت عنوان: "حيث الأمل يولد من جديد".
لتسلِّم بعد ذلك اللجنة المنظّمة وسام العالِم الجزائري لعالِمي هذه السنة، مرفوقا بتذكار وهدية بالمناسبة، ورحلة علمية فكرية إلى تركيا. كما قدّمت مؤسسة الوسام هدايا للمساهمين والرعاة لتظاهرة وسام العالم الجزائري وعلت تصفيقات الحضور مهنئة ومبتهجة لتكريم العلم وأهله..
وبنهاية التكريم، تقدّم الأستاذ محمد الهادي الحسني، معلنا بتأثّر خبر وفاة الشيخ الدكتور أبو القاسم سعد الله، (رحمه الله) ومما قال: "هو أول من تشرف معهد المناهج بمنحه وساما، وقد كان يعاني منذ فترة.. نأسف لوفاة الشيخ.. نترحّم عليه... ونسأل الله تعالى أن يتقبّل عبده".
وأسدَل الستار على هذا اللقاء العلمي، والمجلس الفكري كل من الدكتور تومي قائلا: "سُئل الإمام علي عن أيهما أفضل للإنسان: المال أم العلم فقال: أنت تحرس المال والعلم يحرسك". كما عطّر البروفيسور تومي الأجواء بتلاوة آيات من كتاب الله العزيز الحكيم، ومن جهته ختم الشيخ بعموري المجلس بدعاء طيّب، حرّك به القلوب والأفئدة، بعد أن قال في شأن العلم موصيا: "العلم ثم العلم، فهو الرفعة وهو العزة، وهو التمكين...، محالٌ أن تصعد أمة إلى ما تصبو إليه إلا إذا كانت على درجة عظيمة وكبيرة من العلم.. إنه العلم الذي ينهض بالأمة، سواء كان دنيويا أو أخرويا، فالأمة مطالبة أن تتعلّم وأن ترفع مستواها بالعلم وأن تُنزل العلماء منازلهم، وهذا ما أشاد به القرآن الكريم: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"، إذا كان الله سبحانه وتعالى الذي رفع منازل العلماء، ورفع أقدارهم حتى شهد بهم.. فمن قرأ القرآن الكريم وتمعّن في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ليجد أن العلم هو الأساس الذي أوجبه الله تبارك وتعالى على هذه الأمة وفضّلها بأفضل نبي وتوّجها بأفضل كتاب ألا وهو القرآن الكريم". "أوصي وأحثّ الجميع أن يتعلّموا وأن لا يدّخروا جهدا في إيصال العلم إلى ذويهم والمسلمين جميعا.. فبه نسعد في دنيانا وأخرانا".

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast